بقلم: مها غزالي
تستيقظ "السوشيال ميديا" بين الحين والآخر على فاجعة، تهتز القلوب لخبر انتحار "بسنت"، تلك الفتاة التي لم تجد في واقعها ما يغريها بالبقاء. بكتها الشاشات، وتحولت قصتها إلى "تريند" عابر، لكن الحقيقة المرة هي أن بسنت ليست إلا قمة جبل الجليد؛ فخلف هذا الاسم آلاف النساء اللاتي يمتن كل يوم "بالتقسيط" بعيداً عن الأضواء.
العنف الأسري: حين يصبح البيت ساحة قتال
إن مأساة بسنت هي مرآة لواقع تعيشه سيدات وبنات كُثر، يواجهن "الاضطهاد" كوجبة يومية. يبدأ الأمر من بيت العائلة، حيث يُمارس العنف ضد الفتاة بدعوى "التربية" أو "الخوف عليها"، ليُكسر جناحها قبل أن تبدأ بالتحليق. هذا العنف الذي يبدأ بكلمة مهينة، ينتهي في كثير من الأحيان بانسداد الأفق تماماً أمام الضحية، فتختار الرحيل الأبدي هرباً من جحيم الأقربين.
خلف الأبواب المغلقة: زوج يكسر لا يبني
وإذا انتقلنا إلى "مؤسسة الزواج"، نجد قصصاً تقشعر لها الأبدان. سيدات يعانين من زوج استباح الضرب والإهانة، معتبراً قوته الجسدية تصريحاً لإذلال شريكته. ولا يتوقف الأمر عند العنف البدني، بل يمتد إلى "العنف الاقتصادي"؛ حيث يُحرم الأولاد من المصروف والتزامات الحياة الأساسية كوسيلة للضغط والتركيع.
الأدهى من ذلك، هو تحويل الزواج الثاني إلى "سلاح نفسي"؛ فبدلاً من أن يكون الزواج سبيلاً للمودة، يُستخدم لإيذاء الزوجة الأولى. بعض الأزواج يتعمدون إحضار الزوجة الثانية للعيش في مواجهة الأولى، لا رغبةً في الاستقرار، بل لممارسة ضغط نفسي وتحطيم ما تبقى من كبرياء المرأة وسلامها النفسي.
قصص من "دفاتر القهر" المنسية
لكي نفهم لماذا ترحل "بسنت" وأمثالها، علينا أن نقتحم البيوت المغلقة لنسمع أنين "الشخصيات العادية" التي لا تملك "هاشتاج" يدافع عنها:
القصة الأولى (جحيم الأهل): زوجة شابة، تحول بيتها إلى "ثكنة عسكرية" تحت قيادة أهل زوجها. لم يكتفوا بالتدخل في أدق تفاصيل حياتها، بل حرضوا ابنهم على ضربها "لتتربى"، وحين هربت لبيت أهلها باحثة عن أمان، أغلقوا الباب في وجهها قائلين: "الست ملهاش إلا بيت جوزها أو القبر". عادت مكسورة، لتجد أهل زوجها يحتفلون بكسرتها، فصارت تعيش جسداً بلا روح.
القصة الثانية (نذالة القوامة): زوج استحل إهانة زوجته أمام أطفالها، بل وتعمد حرمانهم من المصروف لإذلالها. ولم يكتفِ بذلك، بل تزوج بأخرى وأحضرها لتعيش في "شقة الزوجية" رغماً عن الأولى، ليجبرها على خدمتها أو الرحيل بلا حقوق. هذه السيدة لم تنتحر جسدياً مثل بسنت، لكنها انتحرت نفسياً وهي ترى كرامتها تُدهس تحت قدمي من كان يُفترض أنه "سكنها".
الزوجة الثانية.. ضرة أم "أداة تعذيب"؟
ولم يتوقف الأمر عند الإهانة والمنع، بل وصل لقمة "الفجر في الخصومة"؛ حين يتزوج الرجل بأخرى، لا لإقامة شرع الله، بل ليستخدم "الزوجة الثانية" وسيلة للضغط النفسي على الأولى. إن إحضار الزوجة الجديدة لتقيم أمام الزوجة الأولى، أو تعمد كسر خاطرها وإشعارها بالدونية، هو نوع من "الإرهاب النفسي" الذي لا يقل خطورة عن الضرب. هي محاولة لسحق كيان المرأة، وجعلها تعيش في مقارنة مستمرة وحرقة دم لا تنتهي، وسط تجاهل تام لمشاعر الأولاد الذين يشاهدون انهيار والدتهم كل يوم
لماذا ظهرت بسنت وغابت الأخريات؟
قد يسأل سائل: لماذا تعاطفنا مع بسنت ولم نسمع بغيرها؟ الإجابة ببساطة هي "الأضواء". قصة بسنت وصلت لأنها كانت تملك صوتاً أو تواجداً على منصات التواصل الاجتماعي، لكن "ما خفي كان أعظم". هناك قصص حقيقية في القرى والمدن والبيوت البسيطة، لنساء يواجهن تنكيل الزوج وظلم المجتمع يومياً، لكن صوتهن لا يتجاوز جدران غرفهن المظلمة لأنهن "شخصيات عادية" في نظر المجتمع.
رسالة إلى الأهل والمجتمع: كفاكم "ستراً" للقاتل!
إلى كل أب وأم يرفعون شعار "اصبري عشان ولادك" وهم يشاهدون ابنتهم تذبل: أنتم شركاء في الجريمة. البيت الذي لا تجد فيه البنة أماناً حين تُظلم، هو الزنزانة الأولى التي تدفعها للنهاية. والى المجتمع الذي يلوم الضحية على صرختها ويبرر للظالم "فورته"، أنتم من تصنعون "بسنت" جديدة في كل يوم بصمتكم وموازينكم المقلوبة. العار ليس في الطلاق، العار في ابنة تعود لأهلها في "كفن" لأنها لم تجد من يصدق وجعها.
: قبل أن ينطفئ النور الأخير
إن دماء بسنت، ودموع المقهورات خلف الجدران، ليست مجرد مادة للنشر أو "تريند" نتسلى به لساعات. هي ديون في رقابنا جميعاً. خلف كل باب في شارعنا، قد تكون هناك "بسنت" أخرى تقف الآن على حافة اليأس، تنتظر يداً تمتد إليها، أو كلمة حق تُقال في وجه ظالمها.
ارحموا من في الأرض، قبل أن ترفع المظلومات أكفهن إلى السماء، وحينها لن ينفع الندم ولا البكاء على الأطلال. الوجع حقيقي، والموت يتربص بالصامتات.. فمن لهن غير الله وقلوب لا تزال تنبض بالإنسانية؟
رسالة أخيرة
إلى كل أب وأم يرفعون شعار "اصبري عشان ولادك" وهم يشاهدون ابنتهم تذبل: أنتم شركاء في الجريمة. البيت الذي لا تجد فيه البنة أماناً حين تُظلم، هو الزنزانة الأولى التي تدفعها للنهاية. والى المجتمع الذي يلوم الضحية على صرختها ويبرر للظالم "فورته"، أنتم من تصنعون "بسنت" جديدة في كل يوم بصمتكم وموازينكم المقلوبة. العار ليس في الطلاق، العار في ابنة تعود لأهلها في "كفن" لأنها لم تجد من يصدق وجعها.
إن قضية بسنت ليست مجرد حادثة انتحار، بل هي "صرخة إنذار". علينا ألا ننتظر تحول الضحية إلى جثة هامدة لنتحدث عن حقوقها. إن حماية المرأة من العنف، سواء كان أسرياً أو زوجياً، وتأمين حقوق أطفالها من الضياع المادي والمعنوي، هو فرض عين على المجتمع والقانون معاً.
النساء الصامتات يعانين أكثر من اللاتي تظهر قصصهن؛ وحان الوقت لنكون نحن صوتهن قبل أن ينتهي بهن المطاف إلى مصير بسنت.
خاتمة :
خاتمة: قبل أن ينطفئ النور الأخير
إن دماء بسنت، ودموع المقهورات خلف الجدران، ليست مجرد مادة للنشر أو "تريند" نتسلى به لساعات. هي ديون في رقابنا جميعاً. خلف كل باب في شارعنا، قد تكون هناك "بسنت" أخرى



تعليقات